يقول أنيس منصور في كتابه (الكبار يضحكون أيضا) : سمعت من صديقي الفنان إسماعيل ياسين نجم الكوميديا الكبير أنه كان يمر بتجربة قاسية جدا .. رغم المبلغ الكبير الذي كانت تدفعه له المخابرات المصرية فقد كان بعد أن يفرغ من العمل المسرحي في القاهرة تنتظره سيارة لكي تنقله الى مستشفى المواساة في الاسكندرية حيث يرقد المشير السلال رئيس اليمن .. ولا يهم السلال اذا كان إسماعيل ياسين قد نام في الطريق أو لم ينم .. المهم أن يجيء إليه .. وأن يجلس إلى جواره ويحكي له بعض النكت .. وكان إسماعيل يحكي ويؤلف نكات وقفشات .. وكان العذاب هو أن يحكي النكتة الواحدة أكثر من مرة .. إلا أن المشير السلال كان يصر على أن يسمع ذات النكتة كل ليلة .. وعندما زهق إسماعيل ياسين واقترح أن يسجل له النكتة على شريط كاسيت .. رفض المشير السلال على أساس أن ياسين عندما يحكي النكتة فإنه يتحرك .. كل شيء فيه يتحرك .. دماغه وفمه ويداه .. وأهم من كل ذلك كرشه.
وعن ضحك المشاهير يقول أنيس منصور .. كنا نضحك وقد اعتدنا من الشاعر كامل الشناوي وقدرته العجيبة على أن يقرأ لنا أسخف الشعر بأداء جميل .. ويقرأ أجمل الشعر بأداء سخيف .. وفي الحالتين كنا نضحك.
وكان الأديب يوسف السباعي خفيف الدم .. وكان يضحك كثيرا حتى يخيل إليك أنه لا يعرف الهموم والأوجاع .. وكنت أعرف أن له هموما وأوجاعا، ولكنه كان أقوى .. وكانت لديه قدرة على أن يكتشف الجانب المضحك من كل شيء .. وصار يوسف السباعي أعز أصدقائي وأجدعهم وأشجعهم .. ولم أكن أعرفه .. وكانت بيننا عداوة .. وهو رجل وسيم ظريف ابن نكتة ورجل متسامح جدا لذلك تجد حوله كل نوعيات المفكرين .. وعلى مسافات واحدة من عقله وقلبه .. ولما أنشأ (المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون) أطلقت أنا عليه اسما تضايق منه يوسف السباعي .. ولكنها كانت نكتة .. جعلت اسمه (المجلس الأعلى لرعاع الآداب والفنون).
وكان الموسيقار محمد عبدالوهاب خفيف الدم وله نكت غليظة .. وأحيانا يستخدم ألفاظا نابية .. وكما يجد أناسا يستمعون له مغنيا، فهم يستمعون له مهما قال .. وكان كامل الشناوي يصف محمد عبدالوهاب فيقول : إنه لا يكذب ولا يقول الحقيقة!.
أما أم كلثوم فهي أبرع في الحكاية والرواية وأكثر قدرة على صناعة النكت .. ونكت أم كلثوم فورية أو تلقائية .. تختلقها في لحظتها .. ولا يوجد عازف أو مطرب أو مخرج أو ممثل ليست له نكتة مع أم كلثوم .. في يوم قالت لي : عاوز تيجي لي ؟ .. قلت : طبعا. قالت: عندي شرط .. قلت: مقبول .. قالت: إنك تتغدى في بيتكم .. قلت: إشمعنى! .. قالت: ده شرطي، وبعد كده نتقابل ونشرب القهوة عندكم .. طبعا ضحكت جدا عندما فوجئت أنها كانت قد اتصلت بزوجتي وقالت : أنا جاية أتغدى عندكم!.
ويورد أنيس منصور الكثير من الطرائف الجميلة .. يقول : إن أمريكياً ذهب إلى القدس وطلب من سائق التاكسي أن يأخذه إلى (حائط المبكى) ولكنه نسي هذا الاسم فقال له : خذني إلى المكان الذي يبكي عنده اليهود ليلا ونهارا .. فأخذه إلى مبنى مصلحة الضرائب!.
وفي الكتاب يذكر أنيس منصور العديد من الشخصيات الظريفة التي التقاها في حياته ويصف بعض مواقفها .. فيصف الزعيم اليمني محمد أحمد النعمان بأنه من أذكى وأطرف الشخصيات العربية .. وهو رجل نحيف القوام لامع العينين .. له تعبيرات ساخرة وموجعة .. لكنه خفيف الظل .. وعنده أبيات من الشعر لكل مناسبة .. وهي دائما لشاعر اسمه محمود الزبيري .. وظللت مدة طويلة أعتقد أن الزبيري هذا شاعر وهمي .. وأن الشعر من نظم الاستاذ النعمان .. وفي يوم جاءني الاستاذ النعمان ومعه رجل معمم مثله ويضع خنجرا تحت حزامه، وقدمه لي : وهذا هو الشاعر الزبيري!.
ويضيف أنيس منصور أن ليس كل ما قيل عن توفيق الحكيم قد حدث فعلا .. وإنما هو يسمع بأذنيه تشنيعات وحكايات لم تقع ويضحك ولا يعترض .. ويرى أن النكتة هي حياة أدبية ولكن بصورة أخرى .. وسألت طه حسين : هل الحكيم بخيل؟ فأجاب : ليس تماما ولكن لا يضايقه أن يقال عنه ذلك! .. ويقول إحسان عبدالقدوس : المهم عند توفيق الحكيم أن يكون على كل لسان .. ويعلق كامل الشناوي أن توفيق الحكيم يغريك بأن تجعل منه نكتة .. بل إنه يطالبك بأن تحكي ما الذي قال عنه الناس .. ويضيف أنيس منصور قائلا : قلت لتوفيق الحكيم انصحني .. قال : أن تكون بخيلا أفضل من أن تمد يدك إلى البخلاء!.
ومن الطرائف .. أن الشاعر الساخر كامل الشناوي اقترح على الاستاذ محمود أبوالفتح صاحب جريدة (المصري) أن يضع تمثالا لأنطون باشا الجميل في كل ركن من أركان جريدة (المصري) .. فلولا تشدد أنطون باشا رئيس تحرير الأهرام، ما انتشرت جريدة المصري ومن بعدها (أخبار اليوم).
ويصف ثروت أباضة بأنه أديب كبير بليغ فصيح . في تعامله مع الناس : ابن باشا .. في تعامله مع الواقع : فلاح .. وقلمه سيف قاطع قاتل أحيانا ومقشة لكنس زبالة الناس أو الناس الزبالة . وقد منعه حياؤه أن يقول بوضوح إنه عاش في زمن إذا هاجم فيه كاتب كبير باروكة مذيعة فصلوه .. أو ظهرت للرئيس صورة في مقال عن الحمير أو صورة لحمار مع مقال عن الرئيس فصلوه وشردوه.
ويقول .. غلطت عندما دعوت الاستاذين مصطفى أمين وعلى أمين .. ولم يكن في نيتي أن أدعوهما أبدا .. فأنا أعرف أنه لا صبر لديهما على الجلوس .. ولا احتمال مشاهدة مسرحية .. ولا حتى الضحك لما يضحك عليه الناس .. ولا قدرة لهما على التوقف عن التدخين .. ثم إن المقاعد غير مريحة .. والفصول طويلة .. ولكن علي أمين أقنع مصطفى أمين ومصطفى أمين أقنع توفيق الحكيم وجاءوا .. أما توفيق الحكيم فكان يهز رأسه ويضحك ويقول .. عجايب يا اخواتي عجايب ..
ويصف عبدالرحمن بدوي بأنه الرجل الأسطورة أو الأسطورة .. فنحن لا نعرف عنه كثيرا .. يجيء بسرعة .. يخرج بسرعة .. ويختفي كل يوم .. ولم نعد نتهيأ لاستقباله بالحفاوة أو النظر اليه أو اذا كنا جالسين أن نقف له أو كنا مجتمعين أن نفسح له الطريق .. إنه اسطورة تعيش بيننا .. ونحن لا نشكل له أي شيء يستحق النظر أو الاستماع.
ويقول أنيس منصور .. ثلاثة دفعوني إلى الدراسة الأدبية والفلسفية : د.شوقي ضيف، ود.لويس عوض، والمستشرق الألماني كراوس .. وثلاثة شجعوني صحفيا : كامل الشناوي وإحسان عبدالقدوس وعلي أمين .. وثلاثة لم يقولوا كلمة حلوة بأية مناسبة : الاستاذ العقاد ود.عبدالرحمن بدوي ومنصور باشا فهمي.
وفي ختام كتابه الضخم (الكبار يضحكون أيضا) الذي يقارب من الثمانمائة صفحة يقول أنيس منصور : لحسن الحظ الأدباء والفنانون وكل العباقرة أننا لا نعرف إلا الجانب (المطبوع) من حياتهم .. أما ماذا يحدث في البيت أو في المكتب أو في المعمل فأكثرنا لا يعرف ..
ودمتم سالمين.
*******
خلال عطلة الصيف وشهر رمضان سأسعى الى استعراض وتلخيص بعض الكتب المهمة التي تزخر بها المكتبة العربية .. لنستعرض ما جاء بها .. ونستغل هذا الصيف بما يفيد.